ابن رشد

32

تهافت التهافت

به ، وهو الوقت الذي قصد فيه وجوده . لكن ليس الأمر في الوضعيات ، كالأمر في العقليات . ومن شبه هذا الوضعي بالعقلي ، من أهل الظاهر ، قال لا يلزم هذا الطلاق ، ولا يقع عند حصول الشرط المتأخر عن تطليق المطلق لأنه وقع من غير أن يقترن به فعل المطلق . ولا نسبة للمعقول ، من المطبوع في ذلك المفهوم إلى الموضوع المصطلح عليه . ثم قال أبو حامد مجاوبا عن الأشعرية : والجواب أن يقال : استحالة إرادة قديمة متعلقة بإحداث شيء ، أي شيء كان ، تعرفونه بضرورة العقل أو نظره ، وعلى لغتكم في المنطق : أتعرفون الالتقاء بين هذين الحدين ، بحد أوسط ، أو من غير حد أوسط ؟ فإن ادعيتم حدا أوسط وهو الطريق النظري فلا بد من إظهاره . وإن أدعيتهم معرفة ذلك ضرورة ، فكيف لم يشارككم في معرفته مخالفوكم ، والفرقة المعتقدة لحدوث العالم بإرادة قديمة لا يحصرها بلد ولا يحصيها عدد . ولا شك في أنهم لا يكابرون العقول عنادا مع المعرفة . فلا بدّ من إقامة برهان على شرط المنطق يدل على استحالة ذلك ، إذ ليس في جميع ما ذكروه إلا الاستبعاد ، والتمثيل بعزمنا وإرادتنا ، وهو فاسد . فلا تضاهي الإرادة القديمة القصود الحادثة ، وأما الاستبعاد المجرد فلا يكفي من غير برهان . قلت : هذا القول من الأقاويل الركيكة الإقناع وذلك أن حاصله ، هو أنه إذا ادعى مدع أن وجود فاعل بجميع شروطه لا يمكن أن يتأخر عنه مفعوله ، فلا يخلو أن يدعي معرفة ذلك : إما بقياس ، وإما أنه من المعارف الأولية . فإن ادعى ذلك بقياس ، وجب عليه أن يأتي به ، ولا قياس هنالك . وإن ادعى أن ذلك مدرك بمعرفة أولية ، وجب أن يعترف به جميع الناس ، خصومهم وغيرهم ، وهذا ليس بصحيح ، لأنه ليس من شرط المعروف بنفسه أن يعترف به جميع الناس ، لأن ذلك ليس أكثر من كونه مشهورا ، كما أنه ليس يلزم فيما كان مشهورا أن يكون معروفا بنفسه . ثم قال كالمجاوب عن الفلاسفة : فإن قيل : نحن بضرورة العقل نعلم أنه لا يتصور موجب بتمام شروطه ، من غير موجب ومجوز ذلك مكابر لضرورة العقل . قلنا : وما الفصل بينكم ، وبين خصومكم إذا قالوا لكم : أنّا بالضرورة نعلم إحالة قول من يقول : إن ذاتا واحدة عالمة بجميع الكليات ، من غير أن يوجب ذلك كثرة في ذاته ، ومن غير أن يكون العلم زائدة على الذات ، ومن غير أن يتعدد